مشاهدة النسخة كاملة : قصص خالدة من التراث
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وأسعد الله أوقاتكم جميعا بكل خير
اخواني الأفاضل وأخواتي الفاضلات
كما تعلمون أن تراثنا العريق وموروثنا الشعبي يزخر بالكثير من القصص الخالدة والنادرة
والتي تحمل بين طياتها الكثير من الصفات الطيبة والخصال الحميدة وفيها من النصح والحكمة
والطرافة الشيء الكثير والحب العذري
والبعيدة كل البعد عن التعصبات القبلية والحزازيات التي لا طائل منها
لذلك أتمنى منكم جميعا العمل في هذه الموسوعة لجمع أكبر قدر ممكن من تلك القصص الخالدة
.
.
ودمتم بكل الود
اختارتها لكم
عروب
قصة الحب العذري
عرفت قبيلة عذرة فى أيام بني أمية بهذا اللون من الحب، ونسب إليها، واشتهرت به وبكثرة عشاقها
المتيمين الصادقين في حبهم، المخلصين لمحبوباتهم، الذين يستبد بهم الحب، ويشتد بهم الوجد، ويسيطر
عليهم الحرمان، حتى يصل بهم إلى درجة من الضنى والهزال كانت تفضي بهم في أكثر الأحيان إلى
الموت، دون أن يغير هذا كله من قوة عواطفهم وثباتها، أو يضعف من إخلاصهم ووفائهم، أو يدفعهم
إلى السلو والنسيان.
وقديماً قال رجل منهم : "لقد تركت بالحي ثلاثين قد خامرهم السل وما بهم داء إلا الحب".
وسئل آخر : "ممن أنت؟" فقال : "من قوم إذا أحبوا ماتوا"، فقالت جارية سمعته : "عذري ورب
الكعبة".
وليس من السهل أن نحدد تماماً الأسباب التي جعلت هذه القبيلة تشتهر بهذا اللون من الحب ليصبح
ظاهرة اجتماعية تعرف بها وتنسب إليها، وإن يكن القدماء قد حاولوا رد هذا إلى رقة قلوبهم وجمال
نسائهم.
سئل أعرابي منهم : "ما بال قلوبكم كأنهم قلوب طير تنماث كما ينماث الملح! أما تجلدون ؟
فقال : إنا لننظر إلى محاجر أعين لا تنظرون إليها".
وقيل لآخر : " يا هذا بحق أقول إنكم أرق الناس قلوباً".
ويقول ابن قتيبة : "والجمال في عذرة والعشق كثير".
ولكن هذه المحاولات تبدو غير كافية تماماً لتعليل هذه الظاهرة، إذ تظل معها الأسئلة واردة :
هل كانت عذرة حقا أرق العرب قلوبا وأجملها نساء ؟
ومن ذا الذى يستطيع أن يدعي أنها امتازت من بين جميع القبائل العربية بالرقة والجمال ؟
وإذا صح هذا الادعاء فكيف نعلل ظهور هذا الحب في غيرها من القبائل ؟
عذرة لم تنفرد وحدها من بين القبائل العربية بهذا اللون من الحب، وإنما ظهر أيضاً في غيرها من
القبائل كقبيلة بني عامر حيث ظهر مجنون ليلى قيس بن الملوح، وقبيلة بني كنانة حيث ظهر قيس بن
ذريح صاحب لبنى.
فالمسألة ليست مسألة عذرة وحدها، والحب العذرى ليس وقفاً عليها دون غيرها من القبائل، ولكنه
لون من الحب عرفته البادية العربية مع غيره من ألوان الحب المختلفة مرده الأساسى إلى المزاج
الشخصي الذي يدفع بعض الناس إلى اللهو والمجون والشرك في الحب، كما يدفع بعضهم إلى الوفاء
والإخلاص والتوحيد فيه، ثم إلى طبيعة الظروف التي تحيط بالعاشق أتدفعه إلى اللهو والعبث أم ترده
إلى الطهر والعفاف؟
فالمسألة ليست مسألة عذرة وحدها، ولكنها مسألة المجتمع البدوى العربي في مجموعه، وهذا اللون
من الحب هو التعبير العاطفي الطبيعي في هذا المجتمع، حيث تسيطر تقاليد خاصة ومثل معينة على
الحياة الاجتماعية فيه، فتخلق هذا اللون المتميز من ألوان الحب الروحي.
فالمسألة ليست مسألة أن "الجمال فى عذرة كثير"، أو أن قلوب أبنائها" كقلوب الطير تنماث كما
ينماث الملح"، ولكنها مسألة مجتمع البادية العربية بتقاليده ومثله المسيطرة عليه، في عذرة وفي غير
عذرة من تلك القبائل التي كانت تنزل في البادية العربية ، في نجد وفي شمالي الحجاز.
أما انتشار هذه الظاهرة فى عذرة ذلك الانتشار الذي صوره أحد أبنائها بأنه ترك في الحي "ثلاثين قد
خامرهم السل وما بهم داء إلا الحب"، فلا يمكن أن يفهم إلا على أساس فهم الظواهر الاجتماعية
عامة، فهي "عدوى اجتماعية" جعلت من هذا الحب بدعا بين شباب القبيلة يلعب فيه التقليد دورا كبيرا
يدفع كل شاب إلى صاحبة له ليعرف بها كما عرف غيره من شبابها بصاحباتهم، ثم تتدخل الظروف
الاجتماعية لتطبع هذا الحب بالطابع العذري المعروف، فالمسألة فى حقيقتها ظاهرة اجتماعية انتشرت
كما تنتشر سائر الظواهر الاجتماعية على أساس من العدوى والتقليد.
أما لماذا نسب هذا الحب إلى عذرة دون غيرها من القبائل؟ ففي أغلب الظن أن السبب في هذا يرجع
إلى أنها هي التي مثلت هذه الظاهرة الاجتماعية أقوى تمثيل، لكثرة من عرف من عشاقها الذين رأى
فيهم الرواة المثل الكاملة لهذا الحب، والنماذج الدقيقة له ، والألسنة المعبرة عنه أدق تعبير وأروعه
،وخاصة عند جميل بثينة الذي يعد بحق أروع مثل له، وأدق نموذج عرفته البادية منه، وأقوى الألسنة
تعبيراً عنه، وأشهر من لمع اسمه في تاريخه.
وربما يرجع السبب أيضاً إلى أن أقدم من عرفه الرواة من أصحاب هذا الحب في العصر الأموي، وهو
عروة بن حزام، كان عذريا من قبيلة بني عذرة.
وهو ما سنراه في أول قصة لنا.
عروة و العفراء
هي من أقدم قصص العذريين تاريخيا.
كان عروة يعيش في بيت عمه والد عفراء بعد وفاة أبيه، وتربيا مع بعض وأحبا بعضهما وهما صبيان.
فقد ربط الحب بين القلبين الصغيرين منذ طفولتهما المبكرة، وشب مع شبابهما.
فلما شب عروة تمنى عروة أن يتوج الزواج قصة حبهما الطاهرة، فأرسل إلى عمه يخطب إليه عفراء،
ووقف المال عقبة في طريق العاشقين، فقد غالت أسرة عفراء في المهر، وعجز عروة عن القيام به.
وألح عروة على عمه، وصارحه بحب عفراء، ولأنه كان فقيرا راح والدها يماطله ويمنيه الوعود، ثم
طلب إليه أن يضرب في الأرض لعل الحياة تقبل عليه فيعود بمهر عفراء.
ولم يكذب عروة خبرا، وانطلق من غده بحثاً عن المال، وعاد وجيبه عامر بالمهر وما يزيد ، فقد تيسر
له ما كان يسعى إليه، والأمل يداعب نفسه، ويرسم له مستقبلا سعيداً يجمع بينه وبين عفراء.
وفى أرض الوطن يخبره عمه أن عفراء قد ماتت، ويريه قبراً جديداً ويقول له إنه قبرها.
وتتحطم آمال عروة، وينهار كل ما كان يبنيه لأيامه المقبلة، وترتبط حياته بهذا القبر، يبثه آلامه، ويندب
حظه، ويبكي حبه الضائع ومأساته الحزينة، ويذيب نفسه فوق أحجاره حسرات ودموعاً، فقد فقد حبيبته
ورفيقة صباه.
ثم تكون مفاجأة لم يكن يتوقعها، لقد ترامت إليه أنباء بأن عفراء لم تمت، ولكنها تزوجت.
فقد قدم أموي غني من الشام في أثناء غيبته، فنزل بحي عفراء، ورآها فأعجبته، فخطبها من أبيها، ثم
تم الزواج رغم معارضتها، ورحل بها إلى الشام حيث يقيم.
وتثور ثائرة عروة، ويصب جام غضبه على عمه الذي خدعه مرتين:
خدعه حين مناه عفراء، ودفع به إلى آفاق الأرض البعيدة خلف مهرها، ثم خدعه حين لفق له قصة
موتها، وتركه فريسة أحزانه ودموعه، فمضى يهجوه :
فيا عم يا ذا الغدر لازلت ** مبتلي حليفا لهم لازم وهوان
غدرت وكان الغدر منك سجية ** فألزمت قلبي دائم الخفقان
وأورثتني غما وكربا وحسرة ** وأورثت عيني دائم الهملان
فلازلت ذا شوق إلى من هويته ** وقلبك مقسوم بكل مكان
وانطلق عروة إلى الشام، ونزل ضيفاً على زوج عفراء والزوج يعرف أنه ابن عم زوجته ولا يعلم
بحبهما بطبيعة الحال، ولأنه لم يلتقي بها بل بزوجها فقد راح هذا الأخير يماطل في إخبار زوجته بنبأ
وصول ابن عمها.
ففكر عروة في حيلة عجيبة، فقد ألقى بخاتمه في إناء اللبن وبعث بالإناء إلى عفراء مع إحدى الجواري.
وأدركت عفراء على الفور أن ضيف زوجها هو حبيبها القديم قد عاد فتلتقي به ..
ويلتقي العاشقان بعد تلك الأيام الطويلة الحزينة التي باعدت بينهما، ويتذكران ماضيهما السعيد فوق
أرض الوطن البعيدة وما فعلت بهما الأيام، وتكون شكوى، وتكون دموع.
صمم عروة على العودة إلى وطنه حرصا على سمعة عفراء وكرامتها، واحتراما لزوجها الذي أحسن
وفادته وأكرم مثواه.
ورحل عروة بعد أن زودته عفراء بخمار لها ذكرى حبيبة منها.
وفي أرض عذرة التي شهدت رمالها السطور الأولى من قصة حبه، تكون الأدواء والأسقام في استقباله.
فقد ساءت حال عروة، واشتد عليه الضنى، واستبد به الهزال، وألح عليه الإغماء والخفقان، وأخذه
مرض السل حتى لم يبقي منه شيئ، وعجز الطب عن علاجه.
ولم يجد عروة إلا شعره يفزع إليه ليبثه آلامه وأحزانه، ويصور فيه ما يلح على نفسه من أشواق
وحنين، وما يضطرب في جوانحه من أسى ووجد.
يقول مرة:
تحملت من عفراء ما ليس لي به ** ولا للجبال الراسيات يدان
كأن قطاة علقت بجناحها ** على كبدي من شدة الخفقان
جعلت لعراف اليمامة حكمه ** وعراف نجد إن هما شفياني
فقالا: نعم نشفي من الداء كله ** وقاما مع العواد يبتدران
فما تركا من رقية يعلمانها ** ولا سلوة إلا وقد سقيانى
وما شفيا الداء الذي بي كله ** ولا ذخرا نصحا ولا ألواني
فقالا: شفاك الله، والله مالنا ** بما ضمنت منك الضلوع يدان
فويلي على عفراء ويلا كأنه ** على الصدر والأحشاء حد سنان
ويقول مرة :
فوالله لا أنساك ما هبت الصبا ** وما عقبتها فى الرياح جنوب
وإنى لتعروني لذكراك هزة ** لها بين جلدي والعظام دبيب
وما هو إلا أن أراها فجأة ** فأبهت حتى ما أكاد أجيب
وأصرف عن رأيي الذي كنت أرتني ** وأنسى الذي أعددت حين تغيب
حلفت برب الراكعين لربهم ** خشوعاً، وفوق الراكعين قريب
لئن كان برد الماء حران صاديا ** إلى حبيب إنها لحبيب
قضى عروة أيامه بين أمل عاش له ثم ضاع منه إلى الأبد، وألم عاش فيه وقد استقر في أعماقه إلى
الأبد، وبينهما خيال عفراء الحبيبة لا يفارقه.
ثم كانت نهاية المأساة، فقد أسدل الموت على العاشقين ستار الختام، بموت عروة.
ظل عروة يهذي باسم عفراء ويحادث طيفها حتى وافته المنية.
بلغ النبأ عفراء، فاشتد جزعها عليه، وذابت نفسها حسرات وراءه، وظلت تندبه وتبكيه وامتنعت عن
الطعام والشراب حتى لحقت به بعد فترة وجيزة، ودفن في قبر بجواره .
ويأبى خيال القصاص إلا أن يجمع بينهما بعد الموت، فقد دفنت عفراء إلى جانب قبر عروة، ومن
القبرين نبتت شجرتان غريبتان لم ير الناس مثلهما من قبل، ظلتا تنموان وتلتف إحداهما على الأخرى،
تحقيقا لأمل قديم حالت الحياة دون تحقيقه، وأبى الموت إلا أن يحققه.
هذه هى أقدم قصة وصلت إلينا من قصص الحب العذري في العصر الأموي، وهي تمثل المعالم
الأساسية، والملامح المميزة، لكل قصص الحب العذري، ومن المحتمل أن تكون هي التي أعطت هذا
اللون من الحب اسمه الذي عرف به.
على نحو من هذه الصورة التي رأيناها في قصة عروة وعفراء كانت سائر قصص العذريين الأمويين.
وهو ما سنراه في القصة الموالية.
قيس وليلى
حكاية ليلى والمجنون هي من أغلب قصص الحب المشهورة على الإطلاق.
بل أغلبها شهرة ومعرفة عند العام والخاص.
ولا بأس من إعادة ذكرها لمن لا يعرف تفاصيلها بشكل جيد.
المجنون هو قيس بن الملوح العامرى ابن عم ليلى.
حدثت هذه القصة في صدر الإسلام ، في القرن الأول الهجرى، في وقت كانت البادية العربية تعيش في
عزلة نسبية .
بدأت قصتهما كما تبدأ أكثر قصص الحب فى البادية في المرعى، وهما صبيان يلعبان ويرعيان ماشية
أهلهما.
وكبر العاشقان، وكبر معهما حبهما، وحجبت ليلى عن قيس، فازداد حبه لها، واشتد حنينه إلى أيامهما
الصغيرة أيام أن كان الحب طفلا يرعاهما دون رقيب أو حجاب.
يقول قيس :
تعلقت بليلى وهي ذات ذؤابة ** ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم، ياليت أننا ** إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم
ولكن عجلة الزمن لا ترجع إلى الوراء، وطفل الحب الذي رعاهما في صباهما الصغير يكبر وينمو،
ويشتد ساعده، ويقوى عدوه، وسهامه الصغيرة الرقيقة التي ضمت قلبيهما صبيين في المرعى أصبحت
بعد أيام الصبا حادة نافذة.
لقد جاء الإسلام فرفع منزلة المرأة العربية فلم تعد واحدة من أساليب اللهو التي اعتاد عليها البدوي
ليحقق وجوده الضائع في الصحراء المترامية الأطراف إلى جانب الخمر والميسر.
إن الدين الجديد يحرم عليه الخمر ويحرم عليه الميسر، ويفرض عليه قيودا دينية واجتماعية وخلقية.
وكان الشاب ينظر حوله، فلا يرى إلا بنات أعمامه، إنهن رفيقات اللعب في الصبا، وأول من يتعرف
إليهن من نوع الأنثى فيختار الشاب إحداهن ، تسحره نظرة منها أو التفاتة أو كلمة عابرة ، ويميل
القلب نحوها ولكن فجأة تختفي بنت العم تماما ، فالتقاليد تحجبها داخل خيمتها، لا تخرج منها إلا بصحبة
حارسة، وللضرورة .
هذه الظروف ما هي إلا تربة خصبة لنمو العاطفة واشتعالها ، فيستبد الوجد والشوق إلى المحبوبة
ويزداد التعلق بها، وتسيطر صورتها على خيال الحبيب ولا يفكر إلا فيها ، إن حياته كلها أحلامه
وأشواقه تتركز في نقطة واحدة ، أن يراها .
ويتحول الشاب الذي كان يزهو بفتوته بين أقرانه، إلى شبح هزيل يجبو الصحراء، تتقاذفه العلل
والأوهام، يردد أبيات شعر رائعة عن حبه وعن ذكريات طفولته ويذكر فيها محبوبته كثيراً.
هذه إجمالا ملخص القصة والكثير من القصص المشابهة لها.
اشتد هيام قيس، ولم يجد إلا شعره متنفسا له ينفس فيه عن نفسه ما تنوء به من وجد وشوق وحنين.
واشتهر أمره في الحي، وتداولت الألسنة قصة حبه.
تقدم قيس إلى عمه طالباً الزواج من ابنته ليلى ، وبدلا من أن يفرح العم ويرحب، إذا به يرفض، ويصر
على الرفض .. لماذا ؟
لأن التقاليد تمنع العرب من الموافقة على زواج ابنته من رجل تشبب بها أي تغزل فيها في شعره !
وفي نفس الوقت تقدم فتى من ثقيف يخطبها أيضا، ويكرهها أهلها على قبول الثقفي ورفض قيس خوفاً
من العار وقبح الأحدوثة، وقطعاً لألسنة الشائعات وقالة السوء والإفك.
ومضى الثقفي بليلى إلى الطائف، ولعل ذلك الحل كان بوحي من أبيها الذي شاء أن يبعدها عن مسرح
الأحداث .
وازدادت حيرة قيس واضطرابه، وثقلت على نفسه الهموم والأحزان، وصار يحس أنه بين شقي رحى
طاحنة : حب لا يملك منه فكاكا، ويأس لا يرى معه بصيصاً من أمل.
ولا يجد سوى شعره مرة أخرى ينفس فيه ما تفيض به نفسه من حزن وشجن، وحيرة واضطراب،
وضيق وسخط.
يقول :
فأنت التي إن شئت أشقيت عيشتي ** وإن شئت بعد الله أنعمت باليا
وأنت التي ما من صديق ولا عدا ** يرى نضو ما أبقيت إلا رثى ليا
إذا سرت في الأرض الفضاء رأيتني ** أصانع رحلي أن يميل حياليا
يمينا إذا كانت يمينا، وإن تكن ** شمالا يناز عني الهوى عن شماليا
أعد الليالي ليلة بعد ليلة ** وقد عشت دهراً لا أعد اللياليا
أرانى إذا صليت يممت نحوها ** بوجهي وإن كان المصلى ورائيا
وما بي إشراك، ولكن حبها ** كمثل الشجا أعيا الطبيب المداويا
أحب من الأسماء ما وافق اسمها ** وأشبهه أو كان منه مدانيا
هي السحر إلا أن للسحر رقية ** وأني لا ألفي لها الدهر راقيا
ويقول أيضا مصورا الصراع بين اليأس الذي يميته، والأمل الذي يحييه:
ألقى من اليأس تارات فتقتلني ** وللرجاء بشاشات فتحييني
ويقول مصورا السخط الذي تنوء به نفسه الحزينة المتمردة:
خليلي، لا والله لا أملك الذي ** قضى الله في ليلي ولا ما قضى ليا
قضاها لغيرى، وابتلاني بحبها ** فهلا بشئ غير ليلى ابتلانيا
وانهار أعصاب قيس تحت وطأة هذه الرحى الطاحنة، وجن جنونه ، بعد أن ترك وحيدا، وعصفت بعقله
العواصف ، فخرج إلى الصحراء هائماً على وجهه لا يكاد يدري من أمره شيئاً، يناجي خيالها البعيد،
ويصور فى شعره محنته القاسية، ومصابه الفاجع في أعز ما يملك فى الحياة : قلبه وعقله اللذين
ذهبت بهما ليلى إلى غير رجعة.
يقول :
أقول لأصحابى: هي الشمس ضوؤها ** قريب ولكن في تناولها بعد
لقد عارضتنا الريح منها بنفحة ** على كبدي من طيب أرواحها برد
فما زلت مغشيا علي، وقد مضت ** أناة وما عندي جواب ولا رد
أقلب بالأيدي، وأهلي بعولة ** يفدونني لو يستطيعون أن يفدوا
ولم يبق إلا الجلد والعظم عاريا ** ولا عظم لي أن دام ما بي ولا جلد
أدنياي ما لي في انقطاعي وغربتي ** إليك ثواب منك دين ولا نقد
عديني - بنفسي أنت - وعداً فربما ** جلا كربة المكروب عن قلبه الوعد
وقد يبتلي قوم ولا كبليتي ** ولا مثل جدي في الشقاء بكم جد
غزتني جنود الحب من كل جانب ** إذا حان من جند قفول أتى جند
ولا شك أن عقله عجز تماما عن فهم أو تقبل ذلك المنطق الذي خضع له عمه، وكل القبيلة، التي لم
يحاول أحد فيها أن يلين من صلابة رأس ذلك الرجل، أو يوفق بين الرأسين في الحلال.
ولا شك أن ذلك العم كانت لديه أسباب عديدة .. لكن أحدا لم يخبرنا عنها .
إننا نعرف فقط أن التقاليد العربية في ذلك الوقت هي التي أملت عليه كلمة لا، وأن هذه الكلمة تعلقت
بلسانه، وسدت أذنيه وأغمضت عينيه فلم ير ابن اخيه يهيم في الصحراء، ولم يرق قلبه وهو يستمع
لأرقى الشعر يردده كل الناس بعد قيس، يصور فيه لوعته ويذيب شبابه الغض قطرة قطرة على رمال
الصحراء التي لا ترتوي .
وتمر الأيام، وقيس لا يزداد إلا سوءا، لقد غزته حقا كما يقول "جنود الحب من كل جانب"، بل لقد غزته
جنود الجنون حتى ذهبت بعقله، وهو جنون بالغ فيه الرواة وتخبطوا في تصويره، ولعب خيال القصاص
في ذلك دوراً كبيراً، حتى تحولت حياة العاشق المسكين على أيديهم إلى حياة يصعب - بل يستحيل -
تصورها.
والمسألة أبسط مما تصوروا، لقد سيطر الحب على عقل قيس، واستبد به، حتى أذهله عن كل ما عداه،
وتركه تائهاً في أوهامه، هائماً في خيالاته، لا يكاد يصحو منها إلا إذا ذكرت له ليلى.
وهو يصور فى شعره حاله تصويراً دقيقاً لا صلة له بمبالغات الرواة وأخيلة القصاص.
يقول مرة :
أيا ويح من أمسى تخلس عقله ** فأصبح مذهوباً به كل مذهب
إذا ذكرت ليلى عقلت وراجعت ** عوازب قلبي من هوى متشعب
ويقول أخرى :
وإنى لمجنون بليلى موكل ** ولست عزوفا عن هواها ولا جلدا
إذا ذكرت ليلى بكيت صبابة ** لتذكارها حتى يبل البكا الخدا
ويقول أيضأ :
وشغلت عن فهم الحديث سوى ** ماكان فيك فإنه شغلي
وأديم لحظ محدثي ليرى ** أن قد فهمت وعندكم عقلي
وبذل أهله كل ما في وسعهم لينقذوه مما آلت إليه حاله، ولكن محاولاتهم ذهبت جميعا أدراج الرياح.
يقول قيس بن الملوح مصوراً اضطرابه والحيرة التي به أدق تصوير وأروعه:
فوالله ثم والله إني لدائب ** أفكر ما ذنبي إليك وأعجب ؟
ووالله ما أدري علام قتلتني ؟ ** وأي أموري فيك يا ليل أركب ؟
أأقطع حبل الوصل فالموت دونه ؟ ** أم أشرب رنقا منكم ليس يشرب ؟
أم أهرب حتى لا أرى لي مجاورا ؟ ** أم أصنع ماذا أم أبوح فأغلب ؟
فأيهما يا ليل ما ترتضينه؟ ** فإني لمظلوم ، وإني لمعتب
إنها الحيرة والاضطراب والقلق النفسي عبر عنهما قيس هذا التعبير الرائع، معتمدا على هذا الأسلوب
الاستفهامى الحائر، وهذه التقسيمات المضطربة القلقة لوجوه المشكلة التي يعانيها كما يعانيها غيره
من أصحابه العذريين.
وظل قيس في صحرائه غريباً مستوحشاً مشردا لم تبق منه إلا بقية من جسد هزيل، وبقية من عقل
شارد كلما ثبت إليه فزع إلى شعره يبثه ما يلقاه في حب ليلى من عناء وشقاء، وما يقاسيه بسببه من
كرب وتباريح، حتى لقي منيته في واد مهجور خشن كثير الحجارة ، بعيداً عن أهله، وليلى التي عذبه
حبها ، وبعيداً عنها بعد ما وهب لها حياته وفنه، بعيداً عن أبيها الذي كان سبب شقائه وبلواه، ولكنه لم
ينسى أن يوجه إليه قبل أن يودع الحياة أبياتا وجدت بعد موته مكتوبة إلى جواره، والتي صور فيها ما
تفيض به نفسه من حقد عليه، كما صور فيها مأساته الحزينة تصويراً دقيقاً مؤثراً :
ألا أيها الشيخ الذي ما بنا يرضى ** شقيت ولا هنيت من عيشك الغضا
شقيت كما أشقيتني وتركتني ** أهيم مع الهلاك لا أطعم الغمضا
كأن فؤادي في مخالب طائر ** إذا ذكرت ليلى يشد بها قبضا
كأن فجاج الأرض حلقة خاتم ** علي فما تزداد طولا ولا عرضا
إنها النتيجة الطبيعية لهذا الصراع الدائب المتصل الذي لا يهدأ ولا يستقر.
أسقام وأدواء وأوجاع وعلل تهجم على العاشق المسكين، فينوء تحت وطأتها جسده الذي أهزله
الضنى، وأضناه الهزال، وتنهار معها أعصابه التي أرهقها الصراع النفسي الذي لا ينتهي إلى نهاية
مريحة، والتي أجهدها التفكير في مشكلات معقدة لا حل لها.
فالموت فعلا راحة لكل حي.
ولاشك أنه كان شخصية فريدة من نوعها .. أو لعلها المبالغات التي يولع بها الناس فيزينون بها قصص
الحب تعبيراً عما تختزنه قلوبهم من كبت وحرمان.
يقولون : إن قيساً كان يغمى عليه كلما ذكر اسم ليلى، سواء كان الحديث عنها بمكروه أو بخير فهو
يغشى عليه بمجرد سماعه اسمها !
ويقولون إنه وقف ذات يوم يتحدث إلى ليلى وفي يده جمرة من نار فأخذت النار تحرق رداءه حتى أتت
عليه ووصلت إلى جسمه وقيس لا يشعر !
وفي أواخر أيامه حكي عن قيس أنه عاش مع الوحش فأنس إليه وفضله على بني الإنسان، وأن
الوحوش أيضاً صارت تأنس إليه ! فقلوبهم رقت لحاله، بينما ظلت قلوب أهله كالحجر الذي لم يتفتت ولم
يذب لسماع أشعار قيس الرائعة.
جميل وبثينة
قريبا من الوقت الذى شهدت فيه نجد مأساة قيس وليلى، وشهد الحجاز مأساة قيس ولبنى، شهدت أرض
بنى عذرة مأساة أخرى من مآسى الحب العذرى، هى مأساة جميل وبثينة.
إذا كانت مأساة قيس وليلى على شهرتها المستفيضة أشد هذه المآسي اختلاطاً واضطرابا لكثرة ما
دخلها من وضع الرواة، وتزيد القصاص، وأوهام السمار، فإن مأساة جميل وبثينة أبعد هذه المآسي عن
الاختلاط والاضطراب، وأقربها إلى الواقع الذي نجا من عبث أصحاب الرواية والقصص والسمر.
حدثت القصة في العصر الأموي وفي عهد الخليفة عبد الملك بن مروان أو الخليفة الوليد بن عبد الملك.
كانت بثينة فتاة من بني الأحب، وهم من رهط بني عذرة، وكذلك جميل، كان من رهط آخر من بني عذرة
هم رهط عامر، وبني عذرة كانت تنزل في البادية العربية شمال الحجاز، في وادي القرى الذي يقع على
مقربة من الطريق التجاري بين مكة والشام ، وهو واد خصب، استقرت به تلك القبيلة، وكانت مشهورة
منذ العصر الجاهلي بالقوة والمنعة والشرف.
وقد دخلت بنو عذرة الإسلام في السنة السابقة للهجرة، وشارك أبناؤها في غزوات الرسول وفي
الفتوحات الإسلامية .
أحب جميل بن معمر العذري بثينة بنت الحباب وبدأت القصة كالتالي :
رأى بثينة وهو يرعى إبل أهله، وجاءت بثينة بإبل لها لترد بها الماء، فنفرت إبل جميل، فسبها، ولم
تسكت بثينة وإنما ردت عليه، أي سبته هي أيضاً.. وبدلا من أن يغضب أعجب بها، واستملح سبابها
فأحبها وأحبته، وبدأت السطور الأولى في قصة هذا الحب العذري الخالدة.
حيث تطور الإعجاب إلى حب، ووجد ذلك صدى لديها، فأحبته هي أيضاً، وراحا يتواعدان سرا.
يقول جميل :
وأول ما قاد المودة بيننا ** بوادي بغيض، يا بثين، سباب
فقلنا لها قولا فجاءت بمثله ** لكل كلام، يا بثين، جواب
وتمر الأيام، وسطور القصة تتوالى سطراً بعد سطر.
لقد اشتد هيام جميل ببثينة،واشتد هيامها به، وشهدت أرض عذرة العاشقين يلتقيان ولا يكاد أحدهما
يصبر عن صاحبه.
وكلما التقيا زادت أشواقهما، فيكرران اللقاء حتى شاعت قصتهما، واشتهر أمرهما، ووصل الخبر إلى
أهل بثينة ، فتوعده قومها، وبدلاً من أن يقبلوا يد جميل التي امتدت تطلب القرب منهم في ابنتهم
رفضوها، وأبوا بثينة عليه وردوه دونها، وتوعدوه بالانتقام، ولكي يزيدوا النار اشتعالاً سارعوا بتزويج
ابنتهم من فتى منهم، هو نبيه بن الأسود العذري.
وكان جميل من فتيان عذرة وفرسانها الأشداء، وكان قومه أعز من قوم بثينة، فوقف في وجههم فجميل
لم يستسلم، بل راح يتحدى أهل بثينة، ويهزأ بهم، ويهددهم منشدا :
ولو أن ألفا دون بثينة كلهم ** غيارى، وكل حارب مزمع قتلي
لحاولتها إما نهارا مجاهرا ** وإما سرى ليل ولو قطعت رجلي
ويقول أخرى:
فليت رجالا فيك قد نذروا دمي ** وهموا بقتلي، يا بثين، لقوني
إذا ما رأوني طالعاً من ثنية ** يقولون: من هذا ؟ وقد عرفوني
يقولون لي: أهلا وسهلا ومرحبا ** ولو ظفروا بي خاليا قتلوني
ولم يغير هذا الزواج من الحب الجارف الذي كان يملأ على العاشقين قلبيهما، فقد كان جميل فارسا
شجاعا يعتز بسيفه وسهامه، فلم يتأثر حبه لبثينة بزواجها، ووجد السبل إلى لقائها سراً في غفلة من
الزوج.
وظلت العلاقة بينهما كما كانت من قبل، يزورها سرا في غفلة من زوجها، أو يلتقيان خارج بيت
الزوجية، وما بينهما سوى الطهر والعفاف.
وكان الزوج يعلم باستمرار علاقة بثينة بجميل ولقاءاتهما السرية، فيلجأ إلى أهلها ويشكوها لهم،
ويشكو أهلها إلى أهل جميل.
لكي تتوقف اللقاءات فترة، ثم تعود أقوى وأشد مما كانت.
فبثينة لم تكن تعبأ بما قد يفعله زوجها أو أهلها لقد أرغموها على الزواج بمن لا ترغب، وكان من
رأيها عليهم أن يتحملوا وزر فعلتهم.
وتحدث إليه أهله في أمر هذه العلاقة الغريبة التي لا أمل فيها، وهذا الإلحاح الذليل خلف امرأة
متزوجة، وحذروه مغبة الاندفاع في هذا الطريق الشائك الوعر، وما ينطوي عليه من عواقب وخيمة،
وهددوه بأن يتبرؤوا منه ويتخلوا عنه إذا استمر في ملاحقته لها ، ولكنه لم يستطع أن يبرأ من حبه
لبثينة.
وهذا كله لم يغير من الأمر شيئا، ولم يفلح في إطفاء الجذوة المتقدة في قلبي العاشقين.
لقد امتنع جميل عن بثينة فترة من الزمن لم تطل، ثم عادت النار تتأجج في فؤاده، فعاود زيارتها، بل
تمادى في علاقته بها، وفى تحديه لأهلها واستهانته بزوجها، فلم يجدوا أمامهم سوى السلطان يشكونه
إليه، فشكوه إلى عامر بن ربعي وإلى بنى أمية على وادي القرى، فأنذره وأهدر لهم دمه إن رأوه
بديارهم.
وامتنع جميل عن بثينة مرة أخرى، ومرة أخرى ألح عليه الشوق، ولم يطق عنها صبراً، فعاود زيارتها
معرضا نفسه للهلاك.
وأعاد أهلها شكواهم إلى السلطان، فطلبه طلبا شديداً.
وقد حاول العذريون أن يحلوا مشكلة هذا الصراع بترويض نفوسهم على الرضا بالحرمان، وهو رضا
أحال حياتهم وهما كاذبا، وسرابا خداعا، وأحلاما لا تقوم على أساس من الواقع العملي الذي تقوم عليه
حياة غيرهم من الناس.
يقول جميل معبراً عن هذه الفكرة، فكرة الرضا بالحرمان، والقناعة بالوهم الكاذب الخداع:
وإني لأرضى من بثينة بالذي ** لو أبصره الواشي لقرت بلابلة
بلا، وبأني لا أستطيع، وبالمنى ** وبالأمل المرجو قد خاب أمله
وبالنظرة العجلى، وبالحول تنقضي ** أواخره لا تلتقي وأوائله
لقد تصور هؤلاء العذريون مشكلتهم على أنها قدر مقدور قضاه الله عليهم فلا يملكون معه إلا الصبر
عليه والرضا به.
يقول جميل معبرآ عن هذه القدرية المحتومة:
لقد لامني فيها أخ ذو قرابة ** حبيب إليه في ملامته رشدي
فقال: أفق، حتى متى أنت هائم ** ببثينة فيها لا تعيد ولا تبدي؟
فقلت له: فيها قضى الله ما ترى ** علي، وهل فيما قضى الله من رد؟
فإن يك رشدا حبها أو غواية ** فقد جئته، ما كان مني على عمد
لقد لج ميثاق من الله بيننا ** وليس لمن لم يوف لله من عهد
إنه لم يعد يملك من أمر نفسه شيئا، لقد قضى الله عليه هذا الحب، ولا راد لقضائه، إنه قدر مقدور لا
يملك له دفعا ولا ردا.
ومع ذلك لم يفلح العذريون في حل مشكلة هذا الصراع فى نفوسهم، أو إقناع أنفسهم بأن المسألة قدر
مقدور لا يملكون معه شيئا، أو ترويضها على الرضا بالحرمان الذي فرض عليهم، وإنما كانت كلها
محاولات يحاولونها، قد ينجحون فيها في بعض الأحيان، ولكنهم في أكثر الأحيان كانوا يخفقون.
فنرى في شعرهم الشكوى الصارخة، والأحزان التي يعجزون عن إخفائها، والدموع التي لا يملكون لها
كتمانًا، والسخط الذي لا يقدرون على التخلص منه.
وشعر العذريين جميعا مطبوع كله بهذا الطابع الحزين الباكي، حتى ليعد هذا الطابع من أقوى طوابعه
المميزة وأعمقها.
يتبع
ونعود لبطل قصتنا مرة أخرى.
بعد كل الأحداث التي تناولته فر جميل إلى اليمن حيث أخواله من جذام، وظل مقيما بها حتى عزل ابن
ربعي، فعاد إلى وطنه ليجد قوم بثينة قد رحلوا إلى الشام، فرحل وراءهم.
وكأنما يئس جميل من هذه المطاردة التي لا تنتهي، والتي أصبح الأمل فيها ضعيفا، والفرصة ضيقة.
لقد فرقت البلاد بينه وبين صاحبته، ولم يعد لقاؤهما ميسراً كما كان عندما كانت تضمهما جميعاً أرض
عذرة، فقرر أن يرحل إلى مصر، ليلحق ببعض قومه الذين سبقوه إليها، واستقروا بها، كما فعلت كثير
من القبائل العربية التي هاجرت إليها بعد الفتح.
وانتهز جميل فرصة أتيحت له في غفلة من أهل بثينة، فزارها مودعا الوداع الأخير، ثم شد رحاله إلى
مصر حيث قضى فترة من الزمن لم تطل، يتشوق إليها، ويحن لها، ويتذكر أيامه معها، ويبكي حبه
القديم.
يقول جميل :
ألا ليت أيام الصفاء جديد ** ودهرا تولى يا بثين يعود
فنغنى كما كنا نكون، وأنتم ** صديق، وإذ ما تبذلين زهيد
وما أنس من الأشياء لا أنس قولها ** وقد قربت نضوى: أمصر تريد ؟
ولا قولها: لولا العيون التي ترى ** أتيتك فاعذرني فدتك جدود
علقت الهوى منها وليدا فلم يزل ** إلى اليوم ينمى حبها ويزيد
فلو تكشف الأحشاء صودف تحتها ** لبثينة حب طارف وتليد
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ** بوادي القرى إني إذن لسعيد
وهل ألقين سعدي من الدهر مرة ** ومارث من حبل الصفاء جديد
وقد تلتقى الأهواء من بعد يأسة ** وقد تطلب الحاجات وهي بعيد
ولكن القدر أبى أن تلتقي الأهواء بعد يأس، أو أن تدرك الحاجات البعيدة، فلم تطل أيام جميل بمصر، فقد
أخذ النور يخبو، ثم انطفأ السراج، وودع جميل الحياة بعيداً عن بثينة التي أفنى شبابه في طلبها، بعيداً
عن أرض عذرة التي شهدت أيامهما السعيدة وأيامهما الشقية، بعيدا عن وادي القرى الذي كان يتمنى
أن يعود إليه ليبيت فيه ليلة تكتمل له فيها سعادته.
يقول جميل مصورا أحزانه الطاحنة التي تحطم نفسه تحطيما حتى ليوشك أن ينهار تحت وطأتها:
وما ذكرتك النفس يا بثين مرة ** من الدهر إلا كادت النفس تتلف
وإلا علتني عبرة واستكانة وفاض ** لها جار من الدمع يذرف
تعلقتها، والنفس مني صحيحة فما ** زال ينمى حب جمل وتضعف
إلى اليوم حتى سل جسمي وشفني وأنكرت ** من نفسي الذي كانت أعرف
وفي ظل هذا الصراع الحاد بين اليأس والأمل، وفي ظل هذه المحاولات السلبية للسلو والنسيان عاش
العذريون مخلصين لمحبوباتهم.
لقد وهب كل منهم حياته لواحدة أخلص لها حبه ولم يشرك به حبا آخر، لا يعدوها إلى غيرها، ولا
يصرف هواه إلى سواها، ولا ينقل فؤاده حيث شاء من الهوى، وإنما يعيش حياته على ما فيها من
حرمان وأحزان ، فقد ارتبطت حياته بها، وأصبح كل شئ فيها ملكاً لها، واستحالت أيامه ولياليه ذكرياتا
وأحلاما استقرت في شعروه وفي لا شعوره فهو يعيش بها ولها وعليها، ولم يعد في قلبه متسع
لمحبوبة أخرى بعد أن ثبت حبها فيه كما ثبتت فى الراحتين الأصابع.
وبلغ نعيه بثينة بعد حين، فسقطت مغشيا عليها، حتى إذا ما أفاقت أنشدت هذين البيتين اللذين تعاهد
فيهما نفسها على الوفاء لعهده والإخلاص لذكراه، واللذين أودعت فيهما كل ما تفيض به نفسها مرارة
ويأسا بعده :
وإن سلوى عن جميل لساعة ** من الدهر ما حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر ** إذا مت بأساء الحياة ولينها
وتمر الأيام عليها بعد ذلك حزينة باكية، وتتوالى الليالي طويلة ثقيلة موحشة، تستعيد فيها ذكريات حبها
البعيدة، وتسترجع ما مر بها في ماضيها السعيد الذي طوته رمال عذرة إلى الأبد.
ويأخذ النور يخبو، ثم ينطفئ السراج، وتودع بثينة الحياة بعيدة عن جميل الذي وهبته حبها وإخلاصها،
بعيدة عن أرض عذرة ووادي القرى ووادي بغيض حيث خط طفل الحب أول سطر في كتاب حبهما الخالد.
كانت النهاية المحتومة التي لا مفر منها، إنه الموت.
ودع العاشق حياته على أمل في أن يجمع الله بينه وبين صاحبته بعد الموت، عسى أن يتحقق له فى
العالم الخالد ما لم يتحقق له في العالم الفاني.
أمنية تمناها كل عاشق عذري، وأغمض عينيه عليها.
أمنية تمناها جميل كما تمناها عروة بن حزام قبل حيث يقول :
وإني لأهوى الحشر إذ قيل إنني ** وعفراء يوم الحشر ملتقيان
فيا ليت محيانا جميعا، وليتنا ** إذا نحن متنا ضمنا كفنان
أما جميل فيقول جميل:
أعوذ بك اللهم أن تشحط النوى ** ببثينة في أدنى حياتي ولا حشري
وجاور إذا ما مت بيني وبينها ** فيا حبذا موتي إذا جاورت قبري
ويقول أيضا:
ألا ليتنا نحيا جميعا، وإن نمت ** يواف ضريحي في الممات ضريحها
فما أنا في طول الحياة براغب ** إذا قيل قد سوى عليها صفيحها
وبهذه الأبيات نسدل الستار على مأساة أخرى من مآسي الحب العذري الحزينة.
ولكن ما نوع تلك اللقاءات المتكررة بين جميل وبثينة ؟ هل كانت لقاءات بريئة كما يؤكد بعض الرواة ؟!
ولكن كيف نصدق تلك الروايات وجميل نفسه يؤكد لنا في أشعاره أنه كان يقضي الليل كله بصحبة بثينة .
مضطجعا بجوارها، أحيانا لمدة ثلاث ليال !! فإذا ما أسفر الصبح أو كاد، تشفق بثينة عليه، وتلح عليه
أن ينصرف فيأبى معتزاً بسيفه وسهامه ولكنها تلح حتى ينصرف.
بعض الروايات تؤكد أن جميلاً كان مستهتراً ماجنا، وبعضها الآخر يؤكد أنه كان عاشقا ولها.
ويذكر الرواة في أحاديثهم عن هؤلاء العذريين أخباراً كثيرة عن هذه العفة وهذا الطهر، ويصفون لقاء
جميل وبثينة في أحضان الليل بعيداً عن أعين الرقباء، وكيف كانا يقضيان الوقت يسألها عن حالها
وتسأله عن حاله، وتستنشده ما قال فيها من شعر فينشدها، ولا يزالان يتحدثان، لا يقولان فحشاً ولا
هجراً، حتى إذا قارب الصبح ودع كل منهما صاحبه أحسن وداع، وانصرفا وكل منهما يمشي خطوة
ويلتفت إلى صاحبه حتى يغيبا.
وفى اللحظات الأخيرة من حياة جميل، وهو فوق ذلك المعبر الضيق الذي يفصل بين شط الحياة وشط
الموت، أقسم أنه ما وضع يده على بثينة لريبة، وأن أكثر ما كان منه أن يسند يدها إلى فؤاده
عمرو بن كعب وعقيلة
هذه صورة أيضاً كانت فيها مأساة عمرو بن كعب بن النعمان الملك وابنة عمه عقيلة.
نشأ عمرو معها في بيت أبيها بعد وفاة أبيه، وربط الحب بين القلبين الصغيرين، حتى إذا ما كبرا تقدم
إلى أبيها يطلب عونه لما كان بين أسرتيهما من صلة.
ثم يبلغه أن عمه زوج عقيلة لأحد من بني فزارة، فكانت صدمة له لم تقوى على احتمالها أعصابه
فانهار، وانطلق إلى الصحراء ذاهلا عن كل شيء هائما على وجهه في إقليم اليمامة، وقد شد بصره
إلى السماء، حتى أدركته منيته في تيه لم يعرف مكانه فيه.
وفى بيت الفزارة تعيش عقيلة كما يذكر الرواة عذراء، وتنهار أعصاب زوجها، فيخرج هو أيضا إلى
الصحراء هائما على وجهه فلا يدري أين مذهبه.
وتعود عقيلة إلى بيت أبيها تندب حظها، وتبكي مأساتها، وتدب الأدواء والأسقام في جسدها حتى تذويه
وتضنيه، ثم يضمها الموت إليه لتلحق بحبيبها.
عبد الله بن العجلان وهند
وعلى نحو من نفس الصورة السابقة تقريبا كانت مأساة عبد الله بن العجلان وهند، وكلاهما من نهد من
قضاعة.
وهي أقرب مأساة جاهلية إلى مأساة قيس بن ذريح ولبنى، وأشدها شبهأ بها.
رأى عبد الله هندا على بعض المياه فأحبها، ثم مضى إلى أبيها فخطبها، وتحقق له أمله فتزوجها وعاش
معها بضع سنين كأسعد ما يكون ، حبيبان ربط بينهما رباط الزوجية المقدس.
ولكن القدر أبى عليهما السعادة التي ينعمان بها، فقد كانت هند عاقرا، وكان عبد الله وحيد أبويه، وكان
أبوه سيدا من سادات قومه المعدودين، ومن أكثرهم مالاً وأوسعهم ثراء، فطلب إليه أن يطلقها ويتزوج
غيرها عسى أن ينجب منها من يحفظ على الأسرة مالها وكيانها.
وأبى عبد الله، وتحرجت الأمور بينه وبين أبيه الذي أقسم أن لا يكلمه حتى يطلقها وتمسك عبد الله
بزوجه الحبيبة، ولكن أباه جمع عليه أعمامه وأبناء أعمامه، وما زالوا به حتى ضعف أمامهم فانفصل
عنها.
وما إن نفذ السهم حتى أسف عليها، وندم على فراقها، واشتد حزنه وجزعه من أجلها.
ثم تزوجت هند في بني شخص اسمه نميـر، فضاقت السبل في وجه عبد الله، وانهارت أعصابه،
واصطلحت على جسده العلل والأدواء.
وعرض عليه أهله فتيات الحي لعل إحداهن تعجبه فتنسيه صاحبته الأولى، ولكنه رفض الزواج.
وقضى عبد الله بعد ذلك حياته يبكي حبه القديم، وفردوسه المفقود، وسعادته الضائعة، حتى مات حزنا
عليها، وأسفا على أمل كان بين يديه ثم فرط فيه فضاع منه إلى الأبد.
عنترة وعبلة
أشهر قصص "المتيمين" الجاهليين هي هذه القصة.
هي قصة تستمد شهرتها من ناحيتين : من شهرة صاحبها الفارس الشاعر البطل، ثم من القصة
الشعبية التي دارت حولها.
وعلى الرغم من شهرة هذه القصة، وعلى الرغم من ضخامة القصة الشعبية التي دارت حولها وكثرة
التفاصيل والحواشي بها، فإن المصادر القديمة لا تمدنا بكثير من تفاصيلها، ولكنها في إطارها العام
قصة ثابتة لا شك فيها بدلالة شعر عنترة الذي يفيض بأحاديث حبه وحرمانه.
نشأ عنترة العبسي من أب عربي هو عمرو بن شداد، وكان سيدا من سادات قبيلته، وأم أجنبية هي
زبيبة الأمة السوداء الحبشية، وكان أبوه قد سباها في بعض غزواته.
وسرى السواد إلى عنترة من أمه، ورفض أبوه الاعتراف به، فاتخذ مكانه بين طبقة العبيد في القبيلة،
خضوعا لتقاليد المجتمع الجاهلي التي تقضي بإقصاء أولاد الإماء عن سلسلة النسب الذهبية التي كان
العرب يحرصون على أن يظل لها نقاؤها، وعلى أن يكون جميع أفرادها ممن يجمعون الشرف من كلا
طرفيه : الآباء والأمهات، إلا إذا أبدى أحد هؤلاء الهجناء امتيازا أو نجابة فإن المجتمع الجاهلي لم
يكن يرى في هذه الحالة ما يمنع من إلحاقه بأبيه.
وحانت الفرصة لعنترة في إحدى الغارات على عبس، فأبدى شجاعة فائقة في رد المغيرين، وانتزع بهذا
اعتراف أبيه به، واتخذ مكانه فارساً من فرسان عبس الذين يشار إليهم بالبنان.
ووقف طفل الحب الخالد يلقى سهامه النافذة ليجمع بين قلب عنترة وقلب ابنة عمه عبلة بنت مالك.
وتقدم عنترة إلى عمه يخطب إليه ابنته، ولكن اللون والنسب وقفا مرة أخرى في طريقه، فقد رفض
مالك أن يزوج ابنته من رجل يجري في عروقه دم غير عربي، وأبت كبرياؤه أن يرضى بعبد أسود مهما
تكن شجاعته وفروسيته زوجاً لابنته العربية الحرة النقية الدم الخالصة النسب.
ويقال إنه طلب منه تعجيزاً له وسدا للسبل في وجهه ألف ناقة من نوق الملك النعمان المعروفة
بالعصافير مهراً لابنته، ويقال إن عنترة خرج في طلب عصافير النعمان حتى يظفر بعبلة، وأنه لقي في
سبيلها أهوالا جساما، ووقع في الأسر، وأبدى في سبيل الخلاص منه بطولات خارقة، ثم تحقق له في
النهاية حلمه، وعاد إلى قبيلته ومعه مهر عبلة ألفاً من عصافير الملك النعمان.
ولكن عمه عاد يماطله ويكلفه من أمره شططا، ثم فكر في أن يتخلص منه، فعرض ابنته على فرسان
القبائل على أن يكون المهر رأس عنترة.
ثم تكون النهاية التي أغفلتها المصادر القديمة وتركت الباحثين عنها يختلفون حولها، فمنهم من يرى
أن عنترة فاز بعبلة وتزوجها، ومنهم من يرى أنه لم يتزوجها، وإنما ظفر بها فارس آخر من فرسان
العرب.
وفي أغلب الظن أن عنترة لم يتزوج عبلة، ولكنه قضى حياته راهبا متبتلا في محراب حبها، يغني لها
ويتغنى بها، ويمزج بين بطولته وحبه مزاجا رائعاً جميلاً.
وهو يصرح في بعض شعره بأنها تزوجت، وأن زوجها فارس عربي ضخم أبيض اللون، يقول لها في
إحدى قصائده الموثوق بها التي يرويها الأصمعي :
إما تريني قد نحلت ومن يكن ** غرضاً لأطراف الأٍنة ينحل
فلرب أبلج مثل بعلك بادن ** ضخم على ظهر الجواد مهبل
غادرته متعفرا أوصاله ** والقوم بين مجرح ومجدل
لقد تزوجت عبلة من غير عنترة بعد ذلك الكفاح الطويل الذي قام به من أجلها، وأبى القدر أن يحقق
للعاشقين حلمهما الذي طالما عاشا فيه.
وعاش عنترة بعد ذلك عمراً طويلا يتذكر حبه القديم، ويحن إلى أيامه الخالية، ويشكو حرمانه الذي
فرضته عليه أوضاع الحياة وتقاليد المجتمع، وقد طوى قلبه على أحزانه ويأسه، وألقى الرماد على
الجمرة المتقدة بين جوانحه، وهو رماد كانت ذكريات الماضي تلح عليه من حين إلى حين، فتكشف عن
الجمرة التي لم تنطفئ جذوتها من تحته، حتى ودع الحياة.
ملكه الاشواق
04-08-2008, 12:10 AM
شكرا لك على القصه الرائعه والموضوع الشيق
تحياتي لك
http://www.arb-up.com/files/arb-up-2008-1/kQI12901.gif (http://www.arb-up.com/)
هلا اشواق
تسلملي هالطله
تحياتي لك غاليتي
عروب
ملكه الاشواق
05-09-2008, 01:37 AM
قصة يا سهيف الذرعان منيب مرجوج.. بين بندر بن سرور وبن جلوي وبن ربيعان
الشاعر المعروف بندر بن سرور العتيبي رحمه الله شاعر فحل وتحفظه كتب التاريخ للابد
كان بندر في حياته مشاغبا ومزعجا للسلطات في المملكة اثناء حكم الملك فيصل حيث كان يهرب البضائع من الكويت ليكسب من خلال ارباحها لاختلاف السعر في ذلك الوقت ..
وكان أمير المنطقة الشرقية سعود بن جلوي غاضبا من بندر حيث قبض عليه اكثر من مره ويخرجه أمير عتيبة تركي بن ربيعان امير الفوج التاسع بالحرس الوطني وهو من شيوخ قبيلة عتيبة اللي لهم كلمة عند الملك والحكومة وكان ياخذون تعهد على بندر بعدم التهريب الا انه مطنشهم ولا يسمع الكلام ..
المهم وصل للامير بن جلوي ان بندر هرب بضاعه ولا قدروا يمسكونه فحلف بن جلوي ان يقتل بندر اذا قبض عليه ومعروف عن بن جلوي قسوته وشدته وجبروته اثناء حكمه للمنطقة الشرقية .. ووصل لبندر كلام الأمير وتهديده بس ما ارتدع ..
وفي يوم وبعد المغرب بشوي كان بندر نازل مع النفود بسيارته الونيت وتفاجأ ان حرس الحدود مخيمين اسفل النفود وأيقن انه مقبوض عليه لا محاله فهو لا يستطيع العودة لأن النفود عالي وإذا نزل معناها مسكوه فأوقف السيارة وترجل منها ورجع على أقدامه وصادف سيارة وركب معاه وطلب منه يوصله لبيت الشيخ تركي بن ربيعان ووصل له حوالي الساعة وحده بالليل وقام يطق الباب بقوه والليل هادىء وصحى كل اللي بالبيت وكان الشيخ بن ربيعان بالدور العلوي وراحت بنته تفتح الباب وبندر يطق الباب بقوه وفتحت الباب وهي ما تعرفه ولا قد شافت بندر وقال لها ابوها من اللي عند الباب يا بنت قالت رجال كنه مرجوج يبغاك ( وسمعها بندر وهي تصفه بالمرجوج ) قال خليه يدخل للمجلس وغير الشيخ ملابسه وقامت البنت تسوي القهوه ولما دخل المير تركي بن ربيعان وخلفه بنته معها القهوه التفت عليها بندر وقال
يـا سهيّـف الذرعـان مانيـب مـرجـوج
================= رجّـتـنــي الأيــــام جـتـنــي بـحـيـلـه
يا بنت لـولا اللـي علـى تاسـع الفـوج
================= تـركــت نــجــد وعــــزوةٍ بالقـبـيـلـه
لاشــك حاديـنـي عـلـى نـجـد هـيــدوج
================= مسقـي الفيافـي ليـن يـدرج مسيـلـه
تركـي ليـامـن الـبـلاوي غــدن عــوج
================= حـمــله عتـيـبـة كـلـهـا مـــا تـشـيـلـه
يرسي كما مينا البواخر علـى المـوج
================= ومنـيـن مــا صــك البـحـر يرتكيـلـه
مـــادام تـركــي حـــيٍ مـــا ودي أدوج
================= وإن غاب غبت من الرجوم الطويله
عرف الشيخ بن ربيعان من الأبيات ان بندر في مشكلة ويبي الفزعة وأبتسم الشيخ وقال أبشر يا بندر وش طلبك وأخبره بالسالفه وأنه خايف ينمسك ويبيه يشفع له عند ابن جلوي قال له أبشر يا بندر وركب بندر مع الشيخ بن ربيعان بسيارة الشيخ وراحوا للدمام ووصلوا لقصر الأمير بعد صلاة الفجر بدقايق وكان الامير سعود بن جلوي متعود كل يوم بعد الفجر يجلس بالمجلس يتقهوى ويسمع صفحتين من كتاب الحديث فأوقف بن ربيعان سيارته مقابل المجلس بس بعيد وكان الوقت لا زال ظلام ونزل لوحده وسلم على الامير وجلس بجانبه ولما صب المقهوي الفنجال للشيخ بن ربيعان انزل على الأرض ووالتفت عليه بن جلوي وقال وش فيك نزلت الفنجال قال بن ربيعان لي طلب قال اشرب فنجالك واللي تطلبه جاك فشرب بن ربيعان الفنجال وقال طلبه وزعل بن جلوي وقال والله لو اني داري انك جايه علشان بن سرور كان ما عطيتك طلبك وأنت تدري اني غاضب منه لكن دامك شربت الفنجال فطلبك جاك
ملكه الاشواق
05-09-2008, 01:39 AM
http://www.qassimy.com/st1/images/icon/0.gif قصة أبو زيد الهلالي
هذه الحكاية ينسبها الرواة إلى (( أبو زيد الهلالي سلامه )) الفارس والشاعر المعروف . . . مر على بني هلال حين من الدهر أصابهم فيه الجوع , فقد شحت المراعي وقل الكلأ والمرعى , فمات أكثر حلالهم وأصاب القبيلة كلها الجوع والعطش فاقترحوا إرسال شخص يستكشف لهم الأراضي ويبحث لهم عن الأرض الطيبة فترحل لها كل القبيلة , وبالفعل نال هذا الاقتراح إجماع كل القبيلة إلا أنهم حاروا فيمن يرسلون وكان بالقبيلة شخص مسنّ - وقيل إنها عجوز - هذا الشخص يؤخذ رأيه فاستشاروه فيمن يرسلون فاشترط عليهم شرطاً قبل أن يقترحون من يرسلون وكان شرطه أن ترحل القبيلة كلها مسيرة يوم كامل بدون توقف وبعدها يعلمهم من هو الشخص المناسب , وبالفعل رحلت القبيلة مسيرة يوم كامل بدون توقف وبعد أن نزلوا بالمكان المحدد رجعوا له وسألوه عن الشخص فقال لهم هو أبو زيد الهلالي سلامه . . . فسألوه عن سبب اختياره له فقال أثناء رحيلنا لاحظت كل أبناء القبيلة يراوحون بالركوب بين ورك وورك أثناء الركوب على المطية إلا أبا زيد فقد كان ركوبه على ورك واحد حتى نزل وهذا دليل صبره وجلادته . . . واختاروه فعلا وأرسلوه , وقد طلب أن يرافقه اثنان من أبناء القبيلة ورحل هو ورفاقه يبحثون عن المرعى للقبيلة كلها . . . وطال بهم المسير دون جدوى , وتقطعت مطاياهم , وأصابهم الجوع فكانوا قرب قرية فنزلوا بسوقها ولم يجدوا من يطعمهم , كما لم يوفقوا إلى عمل يرتزقون منه . . . فاحتاروا بأمرهم , وكان أبو زيد واسع الحيلة داهية فاقترح على رفاقه أن يبيعوه في سوق المدينة على أنه عبد لهم , فقد كان أسمر اللون . . . وأما إلحاحه وافقوه على أن يبيعوه ويشتروا بثمنه مطايا وزاداً لهم , ويواصلوا البحث . . . أما هو فقد قال لهم أنه سيستطيع تخليص نفسه , على شرط أن يواصلوا هم البحث عن المراعي للقبيلة
فاتفق الثلاثة ونزلوا سوق المدينة . . وباعوه . . وقبضوا الثمن كما تم الاتفاق واشتروا بثمنه المطايا والمتاع . . . وقد كان ينوي الهرب من سيده الذي استراه , إلا أن هذا السيد كان نبيلاً وطيباً , أولاه ثقته وجعله وكيلاً على أمواله فصعب على أبو زيد أن يخون الأمانة ويهرب . . . ومن هنا كانت معاناته واستمر في خدمته فتره . . . وذات مرة كانوا جالسين بمجلس هذا السيد وأبو زيد بالقرب من الدلال يصنع القهوة . . . فتمنى السيد من يجيد العزف على الربابة ليحلوا لهم السمر فعرف أبو زيد أنها فرصته فنهض مسرعاً وأخذ الربابة وأنشد يقول
يقـول الهـلالي والهـلالي سـلامـه
شـوف الفجـوج الخاليـات تــروع
يقـول الهـلالي والهـلالي سـلامـه
يبغـي الطمـع وهـو وراه طمــوع
لابد عقـب الوقـت من لايـح الحيـا
مـن بارقـن يوصـي سنـاه لمـوع
لابـرقـن إلا فـي حجـا مستهلــه
ولا طـرقـي إلا مـن وراه نجــوع
ولا ضحـك إلا البكـا مـردفـن لـه
ولا شبعــة إلا مقتفيهــا جـــوع
ولا يــدن إلا يــد الله فـوقهــا
ولا طـايــرات إلا وهـن وقــوع
ألا يا حمامتيـن فوق نبنـوب دوحـة
وراكـن فرقـن والحمــام ربــوع
حمـامتيـن جعـل تبلــن بنــادر
حـر قطـوع وجـاري لـه جــوع
وراكـن مـا تبكـن عليـا مظنتــي
لو كـان مـا يجـري لكـن دمـوع
أبكي عليهـا ليـن حفيـت نواظـري
ولانـي بمـن تدبيـر الإلـه جـزوع
حشى ما لاق غير الجـازي أم محمـد
عليهـا ثويـب الطيلســان لمــوع
تنفـق كمـا نفـق الوغيـد مـع أمـه
وتحـط الهـوى في قلـب كل ولـوع
قد يستغرب القارئ من تكرار اسم الشاعر بالبيت الأول والثاني ولكن ذلك لتأكيد أنه الهلالي وليس عبداً وقد بين للسيد أنه جاء يبغي الطمع فصار الطمع برأسه . . . عرفه السيد وأنَّبه على ما عمل وأطلق سراحه وأغدق عليه الهدايا وعاد أبو زيد لقبيلته
ملكه الاشواق
05-09-2008, 01:40 AM
http://www.qassimy.com/st1/images/icon/0.gif قصة راكان بن حثلين
الشيخ راكان بن فلاح آل حثلين من أشهر فرسان البادية , وأفعاله لم تكن لقبيلته وحدها بل فاخر بها جميع أبناء البادية ولا زلنا نحن نفاخر بها حتى الآن . . . خصوصاً حينما أسره الأتراك وخلص نفيه بفروسيته وصفق له الأتراك مرغمين , فهذا البدوي نحيل القامة هزيل الجسم بارز أشهر الفرسان وصرعه . . . والقصة مشهورة . . . ولا بد في حياة فارس كالشيخ راكان من حوادث طريفة , ومنها هذه الحكاية
يقول الراوي
كان الشيخ راكان في أواخر أيامه وقد بلغ من الكبر عتيا فحصل ذات مرة أن خرج هو ومعه شاب في عنفوان شبابه من أبناء قبيلته العجمان خرج الاثنان لأمر ما . . . وأدركهما التعب فأرادا أن يستريحا , فإذا هما يريان على بعد بيتاً , فلما اقتربا من البيت إذا هو خالٍ من الرجال وليس به سوى امرأة , فتعاند الشيخ راكان ورفيق سفره من باب الطرفة , فقال الشاب للشيخ : أراهنك على أن الفتاة سوف تجلسني وتأمرك أنت بصنع القهوة ظنا منها أنني أنا الشيخ . . . فأجابه راكان : إذا كانت تستطيع التمييز فستأمرك أنت وتجلسني , فاتفقا على ألاَّ يخبراها بشيء ويتركاها تتصرف بحرية تامة , وكعادة بنات البدو لما نزل الضيفان استقبلتهما ببشاشة وفرشت لهما للجلوس , فالبدوية تقوم بواجب الضيافة في غياب زوجها أو والدها حفاظاً على سمعته
المهم أنها أخذت برهة تدقق بوجهي الضيفين وتفكر . . . ثم أحضرت الفأس ورمته على الشيخ راكان وقالت له : قم واحطب وشب النار ((لمعزبك)) أي عمك أو سيدك وصلح له القهوة
التفت الشيخ راكان للشاب وأشار له بالسكوت كما اتفقا وأخذ الفأس وجمع الحطب وأوقد النار وصنع القهوة . . . هذا كله والشاب جالس لا يحرك ساكناً , امتثال لأمر الشيخ راكان ولما انتهى من صنع القهوة حمل الدلة وصب للشاب حتى انتهى ثم جلس وشرب والمرأة تنظر إليهما . . . فلما فرغ الشيخ راكان من احتساء قهوته التفت ناحيتها وأنشد يقول مخاطباً الفتاة
يا زيـن يللـي في ذراعـك نقاريـش
=================== الحكم حكم الله وحكمـك على الـراس
إن شيتني حشـاش سيـد الحواشيـش
=================== وإن شيتني حطـاب قـرب لي الفـاس
وإن شيتني خيـال أروي المعاطيـش
=================== واثني وراهم يـوم الأريـاق يبـاس
الفرخ لا يغـويك في صفـة الريـش
=================== طير الحبارى يا اريش العين قرنـاس
ولما فرغ الشيخ راكان من قصيدته قالت الفتاة : أدخل على الله أي أحلفك بالله ما أنت الشيخ راكان
قال بلى . . . فخجلت وحاولت تصليح خطئها معتذرة أنها لم تعرفه فضحك الشيخ راكان وهدأ من روعها وأخبرها برهانهما
ملكه الاشواق
05-09-2008, 01:40 AM
http://www.qassimy.com/st1/images/icon/0.gif قصة عواء الذيب
هذه الحكاية مجهولة الأبطال , وذلك نظراً لمضي وقت طويل عليها أو لأن أبطالها ليسوا من المشهورين كالأمراء والفرسان والذين يحرص على أسمائهم قبل حكايتهم . . . يقول الراوي
كان هناك رجل بالبادية متزوج من امرأة ليست من قبيلته , بل كان من فيبله أخرى مجاورة لقبيلته . . . ومرت عليه فترة سنه هو وزوجته يعيشان بأحسن حال . . . وقد اختلفت القبيلتان وحصل بينهما نزاع وكان زوجها طرفاً فيه . . . وكان اخوتها من الجهة المقابلة أطرافاً بهذا النزاع واشتدت الأزمة بين طرفي النزاع مما حدا بإخوان الزوجة أن يأخذوها ليلاً من بيت زوجها نكالاً له . . . وهي لم تكن راضية بفراقها لزوجها وكذلك زوجها الذي كان يحبها حباً كبيراً أيضاً . . . ومرت فترة طويلة بعض الشيء على فراق الزوجين والكل منهم كان يريد الآخر ولكن النزاع الحاصل حال بينهما
ضاقت الأرض بالزوج , فهو يريد زوجته ولا سبيل لوصوله إليها , ففكر بطريقة . . . أن أسل إليها إحدى عجائز القبيلة تبلغها برغبته بلقائها . . . ورسم لها خطه للقاء . . . وبالفعل ذهبت العجوز للزوجة وأبلغتها بذلك فرحبت الزوجة بالفكرة
ولما كانت الليلة الموعودة حيث كان الوعد بينهما بعد غياب القمر جاء الزوج للمكان المتفق عليه وكمن بحيث لا يراه أحد . . . ثم أخذ بالعواء كعواء الذيب ثلاث مرات متتابعة . . . عرفته الزوجة حيث كانت تعلم بالخطة سلفاً وذهبت إليه وجلسا بعد طول الفراق يشكو كل منها حاله للآخر بعد الفراق حتى إذا ما جاء الفجر افترقا وعاد كل منهما لقبيلته
مضى على هذا اللقاء فترة أشهر . . . ويقسم الله سبحانه أن تحمل المرأة من زوجها كنتيجة لذلك اللقاء . . . ويكبر بطنها فيراه أخوها ويهددها بالقتل فمن أين لها بهذا الحمل وقد فارقت وزجها منذ فترة طويلة ولم تكن حاملاً ؟؟؟
فأعلمت شقيقها بحقيقة ما حصل بينهما وبين زوجها ووصفت له المكان وأعلمته بكل ما جرى . . . فقال الأخ سأذهب أنا لزوجك وأتأكد من حقيقة ما حصل فإن لم يكن صحيحاً فليس لك عندي غير السيف
ولم تكن القبيلتان على وفاق فكيف يذهب . . . فكر الأخ واهتدى إلى طريقة . . . فلما جن الليل تنكر وذهب إلى قبيلة زوج أخته ودخل مجلسه وجلس ولم يعرفه أحد . . . ولما سكت المجلس تناول الربابة وأخذ يغني عليها
يا ذيـب يللـي تالـي الليـل عويـت
=============== ثلاث عوياتـن على سـاق وصـلاب
سايلـك بالله عقبـها ويـش سويـت
=============== يوم الثـريا راوسـت القمـر غـاب
وغنى هذه الأبيات على الربابة ثم توقف ووضع الربابة مكانها وعاد إلى مكانه . . . فعرف الزوج أن هذا أخو زوجته وفهم أن زوجته حامل كعادة البدوي سرعة اللمح وشدة الذكاء . . . فتقدم وتناول الربابة وأجاب
أنا أشهـد إني عقـب جوعي تعشيـت
=============== وأخـذت شاة الذيب من بين الاطنـاب
على النقـا وإلا الـردى ما تهقويـت
=============== وادو حلالـي يـا عريبيـن الأنسـاب
فلما فرغ الزوج من أبياته فهم الأخ أن أخته كانت روايتها صحيحة وانسحب بدون كلام . . . وفي الصباح أعادوا له زوجته
الله يجزاك كل خير اشواق
على هذه الاضافة الاكثر من رائعه
تقبلي شكري وتحياتي غاليتي
عروب
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012,
diamond